ست العجم بنت النفيس البغدادية

381

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

الذي هو العمد متصف بالبقاء فيجب احتجابه عمن لا بقاء له وهو الوجود المقيد ، ولما كان البقاء هو للإطلاق ، وهو خاف عن المقيدات وجب ظهوره في الإطلاق ولكل مطلق إذ هو متصف بالبقاء ، وهو في حال هذا الظهور يكون متصفا بالمركزية على تقدير استدارة الوجود ، وليست هذه الاستدارة كاستدارة الكرات الفلكية ، وإنما هي صورة دائرة مرتسمة بين يدي الناظر فيها ، ويكون الفيض آتيا من اليمين مارا إلى الأمام الذي يقابل الناظر في الدائرة ، ثم من الأمام إلى الشمال ، ومن الشمال يتخذ باليمين ، فإذا فرض الوجود على هذا النمط علم منه أبنية العمد ، بل تشاهد حقيقة أخرى ، ولا يكون هذا الارتسام في القلب ، وهو قلب العارف ، وهذا القلب هو الخافي عن الأبصار ، لأنه حقيقة العارف ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « المرء بأصغريه : قلبه ولسانه « 1 » » ، وإنما قدّم القلب في الذكر لأن مبنى حقيقة الصورة عليه ، وهذا تقديم شرفي والحقيقة تتقدم بإطلاقها على التقييد ، وهذه الحقيقة خافية عن الأبصار والعمد فيها ظاهر ، وهذه هي حقيقة العارف ، فكأنه قال : أخفيته في التقييد الذي هو ظاهر وأظهرته في الإطلاق الذي هو خاف ، أو قال لهذا العارف : أخفيته في تقييدك الذي هو ظاهرك ، وأظهرتك في إطلاقك الذي هو حقيقتك . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : أظهرتك في الفناء ، وألقيت الأغطية على الأبصار حتى لا تدركه ، ثم قال لي : ضربت القبة ، وأركزت العمد وأوثقت الأوتاد ، وأبحت الدخول لجميع من في الوجود فيها ) ] . ( ش ) أقول : يشير بهذا الخطاب إلى حقيقة هذا الشاهد ، فإن حقيقته ظاهرة في الفناء الحقيقي الذي هو بقاء ، وليس هذا الفناء هو فناء الأعيان ، وإنما هو فناء في الذات ، فالذات من حيث تحجب الأبصار عن شهودها بالتقييد ولا يظهر إلا لمن انطلق فيها ، وهو الظاهر في الفناء ، والظاهر في الفناء لا يشهد حقيقة لأجل اتصافه بأوصاف الذات الخافية ، فلا يظهر حقيقة للمقيدات أصحاب الأبصار لئلا يشهدوا فناءه ولا ظهوره في الحقيقة ، لأن فناءه عين ظهوره ، فمتى شوهد هذا الفناء فاضطرارا يشهد الظهور ، وظهوره عين حقيقته لإدراكه ، والأغطية التي على الأبصار هي حجب التجري حدود المتجريات ، فنفس تجريها بعينه حجب على أبصارها لئلا تشهد فناء حقائقها ، فلو شهد هذا الفناء لكان أولى أن يشهد فناء هذا العارف ، فكأنه قال له : أظهرتك في الفناء الذي هو البقاء ،

--> ( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 4 / 27 ) ، وأورده العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 391 ) .